المخرج قاسم حول "كل الذين أحيلت لهم المشروعات السينمائية تقريبا هم من بقايا النظام السابق وأنا أحد الضحايا".

المخرج قاسم حول   "كل الذين أحيلت لهم المشروعات السينمائية تقريبا هم من بقايا النظام السابق وأنا أحد الضحايا".

حوار  مع المخرج قاسم حول 

"كل الذين أحيلت لهم المشروعات السينمائية تقريبا هم من بقايا النظام السابق وأنا أحد الضحايا".

"التجارب الأخيرة للسينمائيين العراقيين مهمة وجيدة ولكن إنتاج الأفلام لا يعني خلق صناعة سينمائية في العراق"

الكاتب والمخرج السينمائي والمسرحي قاسم حول من مواليد عام 1940 في ناحية المدينة التابعة لمحافظة البصرة، عام 1964 تخرج من معهد الفنون الجميلة في بغداد قسم التمثيل والاخراج. اخرج قرابة العشرين عملا سينمائيا، منها: الحارس، بيوت في ذلك الزقاق، الاهوار، المغني. حاز بعضها على الكثير من الجوائز الدولية. كتب العديد من المسرحيات من ابرزها "الكراج الخامس"، "عودة السنونو". عمل في العديد من وسائل الاعلام خارج وداخل العراق. للاقتراب اكثر من قاسم كان اللقاء التالي:

 

بداية، مالذي دفعك كي تعشق الفن السابع إلى هذا الحد؟

 

عمري ست سنوات في ناحية "المدينة" وهي قريبة إلى شكل القرية في بساطتها وأيضا في جمالها. أخذني والدي ليلا إلى ساحة المدينة عند مدخل السوق ومن بعيد كنت أسمع أغاني عراقية قديمة. وصلنا وجلس والدي على حصير قديم كان يحمله معه وكانت أمامنا شاشة بيضاء وماكنة عرض وشاهدنا أفلام كرتون ثم أخبار عن الحرب العالمية الثانية وحكايات لأفلام قصيرة بالأسود والأبيض. هي عروض السينما الجوالة التي كانت تقيمها النقطة الرابعة الأمريكية. لم تكن ثمة مواصلات برية فكانت الأجهزة والمعدات والفنيين يأتون بالمركب من قضاء القرنة. كان ذلك أول أنطباع لسحر الشاشة في وجداني. وصرت أنتظر بشوق عودة السينما الجوالة.

دفعتنا صعوبة الحالة المعيشية للهجرة نحو البصرة. وهناك عشنا في كوخ واحد في مجمع للأكواخ والصراف في منطقة المعقل. لم يكن بوسعي الذهاب للسينما. كان يأتي صوب الصراف صاحب صندوق الدنيا وهو يتنغم "شوف عندك يا سلام" وصرت أحيانا أوفر بضعة فلسات وأحيانا يتعذر علي الحصول عليها من أمي أشاهد صورا ثابتة عبر مكبرة.

بعد سنوات إنتقلنا من المعقل إلى العشار. مركز مدينة البصرة وتنقلت بين محلة "الساعي" ومحلة "الخندك" التي أكملت فيها المدرسة الإبتدائية عتبة بن غزوان. كان أخي قد شاهد فيلم "عنتر وعبلة" بطولة سراج منير وكوكا وإخراج نيازي مصطفى وصار يحدثني عن الفيلم حتى أقنعت والدي بأن أذهب إلى السينما لمشاهدة الفيلم. وكان هذا هو السحر الأول لسينما فيها قصة. ومن يومها صرت مدمنا على مشاهدة الأفلام السينمائية. ولأن أمكاناتنا المادية لا تسمح بالصرف فقد صرنا نحن مجموعة من الصبية نجمع قيمة تذكرة واحدة ويدخل شخص واحد ليشاهد مقدمات الأفلام ثم تبدأ الإستراحة فيخرج وكان البواب يختم على يده. فنبل أيدينا ونطبع الدمغة على أيدينا وتبدو فاتحة اللون. وندخل الصالة بعد أن نعرض أيدينا للبواب. بعدها صرت صديقا لطالب معي هو عبد الإله. وكان أبوه يشغل ماكنة العرض في سينما الحمراء في منطقة أم البروم وفي أيام الجمعة يذهب عبد الإله ليساعد والده في تشغيل ماكنات العرض وصرت أدخل صالة سينما الحمراء الشتوي مجاناً. في المرحلة المتوسطة تمكنت من تصنيع جهاز عرض سينمائي 35 ملمتر بسيط جدا ويدار في اليد. وصار عبد الإله يجلب لي بكرات فارغة صغيرة كما يجلب لي مقاطع من الأفلام العربية أشغلها وأعيدها إليه وطبعا لم تكن في حركة الصورة صيغة طبيعية ولكني بدأت أكتشف طريقة تحريك الصورة. لا أتذكر تفاصيل التقنية التي تعلمتها.

كانت تلك هي البداية السحرية، ثم بدأت مرحلة القراءة والتمثيل والمسرح حيث أعتليت مسارح البصرة بأدوار رئيسية في مسرحيات كثيرة. لحين دخلت معهد الفنون الجميلة. خلال مرحلة الإعدادية وقبل ألتحاقي بمعهد الفنون كتبت أول سيناريو سينمائي وعنوانه "800 فلس" عن حكاية كتبتها أنا وصغت لها السيناريو.

في بغداد صرت أكتب النقد السينمائي فصرت محررا للصفحة الثقافية لصحيفة المواطن للحزب الوطني الديمقراطي التي صدرت بعد غلق جريدة الأهالي وكان رئيس التحرير عبد المجيد الونداوي وصاحب الأمتياز المحامي عبد الله عباس وصرت أكتب فيها النقد السينمائي أسبوعيا. هذه هي بداياتي مع السينما التي عشقتها والتي جلبت لي المشاكل الحلوة والمرة.

 

حدثنا عن أول تجاربك السينمائية

 

لم أكن أعرف شيئا عن تقنيات السينما، ولكني كنت أكتب النقد وأعتبر الفن السينمائي فنا غامضا اخاف منه. ويوما وبعد أن بدأ أسمي يتكرر في الصحافة وصرت موضع إنتباه الكثيرين في العراق. جاءني صاحب شركة إعلانات. وطلب مني أن أخرج له إعلاناً يصور سينمائياً. وأنا لا أعرف شكل الكاميرا السينمائية ولا كيف يدار الفيلم ولا كيف يحمض ولا كيف يتم توليفه. فلم أخبره عن ذلك وكان يظن بسبب النقد الذي أكتبه أنني أعرف كل أسرار السينما. وبكل جرأة ذهبت لكي أخرج له الإعلان. فما هو ذلك الأعلان؟ كان الإعلان هو دعاية لصبغ "أحمر الشفاه" حيث دخلت العراق ماركة جديدة من أحمر الشفاه وكانت الشركة تريد إعلانا لعرضه على شاشات السينما. لم أكن أعرف من هي السيدة التي سوف تضع أحمر الشفاه على شفاهها. دخلت فيلا لا أتذكر أين وإذا بي أمام المطربة "أحلام وهبي". خرجت لنا وسلمت علينا وكانت في ملابس النوم. وصرت أنظر إليها بعينيها السوداوتين الواسعتين ولونها الأسمر الحنطي وهي مكتنزة قليلا وكانت أبتسامتها حلوة. وقد رتبت أدوات المكياج على طاولة كنا نسميها "ميز أبو تواليت" وصففت شعرها وجلست أما المرآة. وكان معنا مصور وكاميرا 35 ملمتر. لا أعرف معنى العدسات ولا أحجامها. وأي العدسات تصلح لهذه اللقطة أو تلك. جمعت قواي وتذكرت الأفلام التي أشاهدها وأنواع اللقطات. وبدأت أرسم على ورقة معي قبل التصوير بضعة لقطات وأشكالها متخيلا ربطها مع بعضها مونتاجيا. وكان المصور بارعاً. فالتقط لقطات جميلة. وصراحة فإن المصور هو الذي أخرج الإعلان. وكان الإعلان ناجحاً، ولا علاقة لي به وصرت أذهب إلى السينما كي أشاهده قبل أن تبدأ العروض لأشعر بعلاقتي الأولى مع السينما. وأكثر ما كان يسحرني ولا أزال أتذكر اللقطة المتوسطة من خلف أحلام وهبي وهي تظهر على المرآة وتدهن شفتيها بالأحمر وتحرك رأسها وتلتفت وتبتسم. وأنا مسحور مفتون بها. طبعا كان الإعلان بالأسود والأبيض.

دفعني ذلك الإعلان لكي أبحث في تقنيات السينما ولكن الواقع كان محدوداً. وذات يوم وخلال الحركة المسرحية العراقية وصراعنا نحو الجديد شكلت مع بعض أصدقائي تجمعا مسرحيا أسميناه "جماعة مسرح اليوم" أنا وأحمد المفرجي وشاكر الفارسي ومنير عبد الأمير. وأصدرنا بيانا مقتضباً نشرناه في صحيفة البلاد. ربما كان ذلك عام 1961. وبعد تخرجي من معهد الفنون شكلت فرقة مسرحية هي فرقة مسرح اليوم وأنشأت شركة سينمائية هي شركة أفلام اليوم وأصدرنا مجلة سينمائية هي مجلة السينما اليوم.

قررت أن أنتج فيلما بعد نجاح تمثيلية تلفزيونية كتبتها هي "الحارس" وقررت تطويرها في قصة طويلة وبدأت البحث عن مصدر مالي لإنتاج الفيلم. كان لي صديق يعمل معي هو زين العابدين محمد ناجي وكان معروفا بإسم ضياء وهو محاسب مصرف. له صديق من رجال الأعمال إقتنع بتمويلنا وساهمت أنا بمبلغ أستلفته. وبحثنا الإنتاج. بعد أن أتسع حجم فرقتي المسرحية. وصرنا نعقد الإجتماعات في منزل الصديق مكي البدري. وأتفقنا بإعتبار عدم وجود خبرة تقنية سينمائية بيننا أن نستعين بالمخرج التفزيوني خليل شوقي لكي يكون مخرج الفيلم. وأنضم إلينا أستاذي وصديقي الفنان الراحل إبراهيم جلال وعملت معنا زينب إلى جانب مكي البدري وسليمة خضير وكريم عواد وعبد الباقي الدوري وأنا أخذت دور الرسام. وبدأنا العمل في محلة الكريمات في الكرخ. وكان مصور الفيلم "نهاد علي" ومعه إثنان من المساعدين أحدهما رفعت عبد الحميد الذي صور لي فيلم الأهوار لاحقا. في تلك التجربة فتحت عيني على طريقة العمل وزوايا الكاميرا. وكنا نرسل المواد المصورة إلى ستوديو هاماز الكائن في الطريق بين بغداد وبغداد الجديدة. وهناك صرت أذهب للمختبر وأراقب التحميض والطبع وأتعرف على المكائن وعلى معدات الصوت وعملت مع شاب موهوب هو الفنان "شيراك خوجيان" فصرنا صديقين وكنت أجلس معه عند طاولة المونتاج وأقوم بكل العمليات الفنية من الدبلجة والمؤثرات الصوتية. بهذا الفيلم دخلت مطبخ السينما. وبعد أن غادرت العراق وألتحقت بالمقاومة الفلسطينية وأنشأت لهم قسما للسينما صرت أقوم بالأعمال التقنية في ستوديو بعلبك في منطقة "سن الفيل" وعند إشتعال الحرب الأهلية تعذر علي العمل فيه لأن الأستوديو يقع في منطقة يسيطر عليها حزب الكتائب اللبنانية فنقلت أعمالي ألى ستوديو "ميكروستامبا" في أيطاليا. وكان هذان المختبران في لبنان وأيطاليا مدرسة هامة عندي في التعرف على تقنيات السينما بشكل كامل.

بعد ما يقرب من أحد عشر عاما وبعد أن غادرت العراق وعدت إليه في عام 1974 وبعد أن أخرجت فيلم الأهوار أخرجت فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" . وكان عندي مشهدا هاما في ساحة التحرير ليلا عند نصب الحرية. فوضعت معدات التصوير والكرين "الرافعة" وصعدت مع الكاميرا عالياً أصمم اللقطات والساحة شبه خالية سوى من الممثلين والفنيين شاهدت شخصا آت من بعيد ووقف قرب مكتبة المثني ينظر إلى المشهد ويبدو أنه كان آتيا من شارع أبي نؤاس. لمحته فكان الأستاذ خليل شوقي. شاهد المعدات السينمائية والإنارة ووقف ينظر لتصوير المشهد. طلبت أن تعود بي الرافعة للأرض ونزلت منها وتوجهت إليه وسلمت عليه وقبلته وقلت له أن المخرج الذي يدير تصوير هذا المشهد هو تلميذك "قاسم حول"

 

لديك قرابة العشرين تجربة سينمائية ابتداءا من الحارس وانتهاءا بفيلم "المغني" ما هي التجربة الانضج من بينهما والاقرب الى نفسك ؟

من الصعب القول أيهما الأقرب الى نفسي. فالأفلام عندنا، في واقعنا، المضطرب، والملتبس وغير العادل يجعل من الحلم شيئا بعيد المنال. لو أفترضنا أنني أعمل بحرية فإني أستطيع القول هذا الفيلم أقرب إلى نفسي من ذاك. لأنها في هذه الحالة تخضع لمحاكمة ذاتية متساوية الفرص. وكل الأفلام التي عملتها وعملناها كانت الظروف السياسية والإقتصادية وأيضا الإجتماعية غير عادلة وغير إنسانية بالنسبة للفنان والمثقف. لو كانت الظروف عادلة. لعملت افلامي بما يتساوى مع حلمي في كتابتها. الآن بين يدي ثلاث سيناريوها جاهزة وهي أنضج من السابق بحكم التجربة وهي شيء مهم. عندي سيناريو لفيلم أسمه "تقاطع ضوئي – ترافيك لايت" وعندي سيناريو بعنوان "كرامفون" وعندي سيناريو فيلم "الحسين" عن الإمام الحسين وملحمة الطف.

السيناريوهات الثلاثة تحتاج إلى فرص التنفيذ، فإن تعذرت راحت وأن تحققت بأقل من مستوى الحلم بانت أقل من وهجها في الكتابة. وكذا كان الحال بالنسبة لأفلامي السابقة. فيلم الأهوار مثلا وسنتحدث عنه تفصيلا. أنا حذفت منه مشاهد كثيرة هامة كنت صورتها ولكني تلقيت غمزة خبيثة فحذفتها ونصحني المونتير شيراك أنا لا أتصرف بعناد قد يطيح بالفيلم ويروحني! وفي فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" تخلصت من الموت بسبب الفيلم وهربت بعد أن أنجزت الفيلم وجيء بمخرج آخر وهو "محمد شكري جميل" وطلبوا منه حذف مشاهد من الفيلم وتصوير بديلا عنها ووضعت داخل الفيلم! تماما مثل ما حصل مع المخرج المصري "ممدوح شكري" في فيلم زائر الفجر.

يعني مثلا أتمنى أن أجد في مؤسسة السينما المشهد الذي حذفوه وأعيده للفيلم والغي المشهد البائس الذي صوره هذا المخرج وأسلمه إليه. لذلك عندما أنظر إلى الفيلم ويأتي ذلك المشهد البائس داخل فيلمي فإني أبكي وكيف أستطيع أن أقف مثلا وسط الصالة وأشرح للناس ان هذا المشهد لا علاقة لي فيه!

انا عندما أشاهد أفلامي وانا لا أشاهدها كثيرا لأنها خرجت مني وأصبحت للآخرين. فأني أرى فيها مشاهد تذكرني بحجم الجهد وحجم الوفاء وأعرف من خلال بعض المشاهد أني تعرضت لحالات صعبة ونفذت تلك المشاهد وفق حالة نفسية متعبة ووفق ضغوط خارجية وموضوعية. لو توفر عندي الآن الجانب الإقتصادي لخصصت وقتا وأعدت توليف الأفلام وحذف بعض المشاهد منها لتكون الأقرب إلى نفسي .. كلها. آخر تجربة لي هي فيلم المغني. نسبيا الظرف الإنتاجي أحسن ولذلك فإني عندما أشاهده أشعر بالرضا. السيناريوهات الجديدة التي كتبتها تحمل ثلاث فرص للإنتاج. فيلم الحسين ويحتاج إلى ميزانية تليق بحجم الحدث. وكتبت سيناريو يمكن أنتاجه بميزانية متوسطة الكلفة. وكتبت سيناريو بكلفة قليلة أو ما نسميه ميزانية غير منفوخة.

هذه السيناريوهات أقرب إلى نفسي سواء حققتها على الشاشة أو مضى عليها العمر وبقيت مجرد وصف كتابي على ورق أبيض وليس صورة على شاشة بيضاء.

 

 

 من التجارب الفريدة والمتيزة والمثيرة للجدل هي تجربة فلم الاهوار  كيف خطرت في بالك ؟ خصوصا وانك كنت حينها خارج العراق ؟ وكيف استطعت التغلب على العقبات والضغوطات التي واجهتك اثناء التصوير؟   

 

انا بن الفرات الذي يمر على مدينتي البصرة. غرقت فيه مرة وعمري سبع سنوات وانا أحاول صيد السمك بالسنارة وأقف على لسان من الخشب يمتد من الساحل إلى مسافة من النهر كي ترسو عليه المراكب. بحركة من أحد الصيادين دفعني فسقطت في النهر. صرت أنزل إلى أعماقه. أتذكر تماما انني قلت وأنا أختنق سوف يأكلني "الكوسج" والسلاحف. وضعت بشكل لا أرادي السبابة والأبهام من يدي اليسرى على أنفي وأغلقته ورفعت يدي اليمنى وأنا انزل للقعر. فجأت مسكني شخص وإسمه "فاضل ملا سلمان" وسحبني ونفضوني من الماء وحملوني إلى داري.

عندما ذهبت إلى البصرة مؤخراً ذهبت إليه لأشكره. لا يزال حيا أطال الله في عمره. قلت له هل أشكرك أم أعتب عليك؟!

سألني لماذا تعتب علي؟ قلت له لم أكن أدري أن واقعنا يتدهور إلى هذا الحد! قلت له لو كنت أعرف أن الحلم سيتدهور ويموت لما رفعت إليك يدي كي تنتشلني من نهر الفرات.

كانت زوارق المعدان تأتي من الجبايش ومن بني منصور ويعبرون النهر ويمشون مسافات وهم ينشدون الأبوذية بأصوات ساحرة. وكنا نسافر من ناحية المدينة نحو هور الجبايش وهور الفهود. نخترق البردي وسيمفونية الضفادع تمتزج مع حفيف البردي وصوت المجذاف. هذا الواقع لا شك ينطبع في الذاكرة الأولى التي لا تزال طرية. تنطبع عليها بشكل تصعب إزالته. فالصورة الأولى والصوت الأول والأغنية الأولى والبكاء الأول والضحكة الأولى .. كلها تبقى تشكل تكوين الإنسان في نموه وصباه وشيخوخته.

عندما عدت للعراق عام 1975 آتيا من لبنان وبضمانات فلسطينية للمساهمة في تأسيس إتحاد السينمائيين التسجيليين العرب. عرضوا علي أن أخرج فيلما لمصلحة السينما والمسرح فإخترت موضوع الأهوار. هذا هو السبب.

أخذت كاميرتي الصغيرة ومعي مساعد مخرج ومدير إنتاج فقط كي أستعيد الذاكرة وكي أرى الأهوار بعين الوعي وليس بعين الفطرة الأولى. وجدت الأهوار ذاتها. خفت أن يكون التاريخ غير متحرك سومرياً. أصبت بحالات كثيرة من الحزن. لم أكن أفكر بسلطة ودولة وإنتاج وحسابات كثيرة. كنت أشعر كأنني والأهوار محكومان بقدر. صورت مئات الصور الفوتوغرافية حتى أثبت للمصور الذي سوف أختاره شكل الكادر لأنني وطريقتي في عمل الأفلام الوثائقية طريقة متفردة حيث أمنع الحديث نهائيا لكل العاملين بعد أن يتم تصميم كل شيء.

عدت إلى بغداد وإخترت فريق التصوير "رفعت عبد الحميد وسلمان مزعل. ومهندس الصوت  ومدير الإنتاج مهدي صالح. ومساعد المخرج حسين أمين". طلبت كمية من الأدوية ضد التسمم وضد الإضطرابات المعوية. طلبت كمية من المعلبات على سبيل الإحتياط. وعندما بدأت المواد تدخل سيارة التصوير شاهدت صندوقين كبيرين كنت أتصورها معلبات وعلب إحتياط من الأفلام الخام. وذهبنا إلى محافظة ميسان ومن هناك أخذنا مركبا ينقلنا مسافة نحو هور "الصحين". وهناك يوجد أوتيل عائم. كنت طلبت طائرة هليوكبتر لتصوير الأهوار بلقطة من الأعلى تستعرض المنطقة لكن السلطات رفضت تحقيق طلبي، فقررت أن أضع الكاميرا في سطح الفندق العائم وأصور في أول الفجر لقطة إستعراضية للهور. نمت مبكرا وطلبت منه الإستيقاظ في الرابعة صباحا كي نضع الكاميرات ونصور المشهد مع أنبلاج الفجر.

أيقظوني في الرابعة. صعدنا إلى سطح الفندق العائم كي نضع الكاميرا وتطلعت نحو المنطقة فوجدت على كل كوخ من أكواخ القصب ثلاث صور واحدة لأحمد حسن البكر رئيس الجمهورية وثانية لصدام حسين نائب الرئيس وثالثة لكليمها في ملابس بيضاء يتعانقان في ذكرى الثورة! كدت أصاب بالجنون فلقد تهشت صورة الأهوار وتهشم سكونها وتهشم الفجر الجميل. قلت لمدير الإنتاج رجاء أرفعوا الصور من الأكواخ. لن أصور المشهد هكذا. تطلعوا نحوي وكمن يريد أن يرميني في مياه الأهوار. وتشاوروا وتم عقد إجتماع في الفندق العائم وغادرنا مدير الأنتاج عائدا إلى بغداد. كان بيننا أحد المصورين وهو سلمان مزعل وهو شيوعي وبقي محرجا خائفا على مصير غامض ينتظرني. عاد مدير الإنتاج ولم يحصل أي تصوير وطلبوا منا العودة إلى بغداد.

كان الطريق طويلا ومحملاً بالهواجس والمنغصات والصور المخيفة. الجميع ساكتون سوى بضعة همسات يتداولها فريق التصوير وكانت تلك الهمسات تجسد الرعب في ذاتي وبدأت أفكر بإجابات على أسئلة إفتراضية مسبقة.

وصلنا بغداد وفوراً أتجهت السيارة نحو مصلحة السينما فوجدت نفسي في غرفة مدير السينما السيد ياسين البكري وإثنان من رجال الأمن. وبدأ السؤال والجواب وأعترفت طبعا بأنني فعلا أمرت برفع صور السيد الرئيس والسيد النائب لأنه لم تكن الصور مناسبة للمشهد وظننت أن ذلك يسيء أكثر مما يخدم لأنه شأن مبالغ فيه. وأنني ليس لي أي موقف سلبي من الحزب والثورة والسيد الرئيس ونائبه .. إلى آخره.  وقلت لهم الصور تعلق عادة داخل البيوت وليس على القصب وفي المدرسة والمستوصف وهذا أمر طبيعي. ثم طلبوا مني الخروج والأنتظار وكانوا يريدون التداول وفهمت بأنهم أتصلوا بوزير الثقافة. وبعد أنتظار أكثر من ساعة أستدعيت ثانية. وبما يشبه التهديد قالوا لي نترك الأمر لمدير السينما وننتظر أن نشاهد الفيلم بطريقة إيجابية.

خرجا وبعد وقت كان مدير السينما ينظر إلي مبتسما ويوقع الأوراق الروتينية. ثم طلب مني التفسح داخل المؤسسة في الساحة بين قسم المسرح وبناية المؤسسة. قال لي أنت مجنون. هذه الحادثة كان يمكن أن تودي بحياتك. كان بإمكانك التصرف بحكمة وتصوير المشهد ثم تطلب رفع الصور وتصوير لقطة ثانية كأن تطلب لقطة للأهوار قبل الثورة وبذلك تنقذ نفسك وتصور ما تريد. شعرت بأنني أستعجلت التصرف فعلا. لكنني عرفت أن مدير المؤسسة الأستاذ ياسين البكري قد وقف وقفة مشرفة وعادلة. يومها أحببته وشعرت أنه فنان حقيقي. علما أن مساعدي حسين أمين وقف ذات الموقف طوال أيام العمل.  وعدت للأهوار بإنتباه ويقظة شديدتين.

وكما انا دائما أمنع الحديث عندما يتحرك الموكب للعمل. كنا مرة في مركب نطفئ الموتور – المحرك ونجعله يمشي مع تيار الماء ونحن نرقب حركة الأهوار. وتارة نصعد في زورق كبير – بركش أو طرادة حسب المشهد. نساء الأهوار ورجاله يمرون يسلمون علينا ولا نرد عليهم السلام. النسوة المعيديات يعلقن ويمزحن ونحن لا نجيب ولا نبتسم. سادت شائعة في الأهوار بأننا خرسان ودائما صاروا يتحدثون "جاء الخرسان ومر الخرسان وذهب الخرسان".  كنت أريد بذلك أن أسجل كل همسة كل صوت للمجذاف كل صوت لنقيق الضفادع وأصوات الطيور المهاجرة والساكنة. نخترق البردي بمشحوفنا والزورق يخرج صوتا بين القصب والبردي والصوت يسجل نظيفا. فمدير التصوير والمصور التعليمات عندهما واضحة. لا أشغلهما بأية ملاحظة سوى عند الضرورة فهما يعرفان مهامها إذ نحن أمام فيلم وثائقي وليس فيلما روائيا. فاللحظة التي تمر لا يمكن أعادتها ولذا لا يجوز أن تمر اللحظة المطلوبة دونما توثيق وأي حديث خلال التصوير سوف يعكر مزاج المشهد.

إجتمعت بفريق العمل وصارحتهم بكل شيء. وقلت لهم أننا في فرصة ذهبية دعونا نوثق كل شيء. وما يستحق ان يظهر في الفيلم سوف يظهر وما يحرج في ظهوره في الفيلم سوف يبقى وثيقة للمؤسسة. وهكذا تم الإتفاق فصورنا ما مجموعه تسع ساعات سينمائية فيها مشاهد غاية في الأهمية حتى أن أمرأة ماتت هي في الطريق للمستوصف ولحقنا بهم وهم يسرعون في الزورق حتى أنزلوها على "جباشة" ونزلنا ومسكت بالعاكسة الضوئية نحو وجهها وبدأت المصور يصورني معها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. وكلانا في الصورة. ومشاهد عن نساء في داخل الكوخ بتفاصيل مؤثرة جدا .. مشاهد كثيرة تم تظهيرها في معامل "ميكروستامبا" في أيطاليا وظهرت نتائج التصوير مذهلة لكلا  المصورين رفعت عبد الحميد وسلمان مزعل.

أنجزنا المونتاج، المونتير "شيراك" وأنا وذهبنا إلى روما لعمل المكساج وتعديل الألوان وطباعة النسخ. عدنا وعرض الفيلم في صالة "سينما بابل" في مهرجان الفيلم العراقي وكتب عنه رئيس لجنة التحكيم جبرا إبراهيم جبرا بيانا هاما ومنح الفيلم ست جوائز بضمنها جائزة أفضل مخرج عراقي عام 1976. لقد تمت أجازة الفيلم للعرض داخل العراق فقط وبعد سنة من أنتاجه سمح بعرضه خارج العراق. وشارك في مهرجان الأفلام الوثائقية في مدينة لايبزغ في ما كان يسمى جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وسارع فيصل الياسري بعد أن أقنع عبد الأمير بسحب الفيلم من المسابقة بعد أن شم رائحة ترشيح الفيلم للجائزة الذهبية ووضع فيلمه بديلا، وكان فيلما هزيلا لم ينل فيه شيئاً. سامحه الله.

 

 

حدثنا عن الذكريات التي تصاحب عمليات التصوير او الاعداد للفلم فترة بقائكم في الفندق ؟ الرحلة المدرسية 

قضية العرس ؟ كم استغرقت فترة التصوير ؟ واين كان استقراركم في الاهوار ؟

 

في الفيلم ذكريات كثيرة مثيرة. أكيد هناك الشيء الكثير الجميل، وحسنا فعلت أنا عندما إخترت تصوير الأهوار وبهذا الجهد وهذه الكثافة لأن الفيلم بقي الوثيقة الوحيدة الحية والشاهد الوحيد على حقيقة الأهوار سيما بعد قرار تجفيفها من قبل دكتاتور العراق.

عندما ذهبت إلى المدرسة في هور الصحين وشاهدت عدد الطلبة شعرت بأن رغبة أبناء الأهوار عظيمة في تلقي المعرفة وشعرت رغم ذلك بالغبن الواقع عليهم والحيف الذي يتعرضون له. كان في أحد الدروس حديث عن السكر وحاول المعلم أن يشرح لهم كيف يعمل السكر من نوع من القصب يزرع أيضا في مدينة العمارة. فقررت أن أعمل لهم دعوة زيارة حتى يشاهدوا بأنفسهم طريقة صنع السكر وعلى حساب أنتاج الفيلم وأن أخفي الكاميرا وأسجل ردود فعلهم على عملية التصنيع. ثم كانت عندي رغبة أن أراهم وهم يمشون على الأرض المختلفة التعاريج فيما هم معتادون الحركة داخل الزوارق – المشاحيف.

إستأجرنا لهم أكثر من مركب وسافرنا من الصحين إلى مدينة العمارة. ذهبنا إلى مدرسة هناك وأسترحنا في بهوها. وجلبنا لهم وجبة غداء شهية. وشربوا البيبسي كولا. ثم قرر المعلم أخذهم في جولة داخل المدينة سيما وأنهم تزودوا ببعض المصروف ويريدون شراء "حامض حلو" و "جكليت" وبعض الأفلام. ذهبوا جميعهم سوى طالب واحد رفض الخروج وبقي منزويا في الصالة. ذهبت نحوه وسألته عن سبب عدم ذهابه مع الطلبة فكان محرجا في الأجابة حتى قال لي أنه يتيم ويعيش مع خالته ولم تعطه مصروفا لأنها لا تملك ذلك. أعطيته خمسة دنانير وخرجنا نتجول في المدينة وبدأ يشتري وبعد أن أنجزنا كل شيء سألني متى نعود؟ قلت له لماذا الم تعجبك الولاية – المدينة ؟قال لي "هور الصحين أحلى. مليت. أريد أروح الهلي" تصور بضعة ساعات شعرته بالملل من الغربة وهو داخل وطنه .. كيف لنا يا ترى تلك القدرة على ترك أوطاننا كل هذه السنوات؟

لم يكن الطلبة قادرين على المشي في ممر مرتفع قليلا على الأرض تندفع فيه أكياس السكر نحو المخرن بشكل آلي.

عندما عدنا ودرست حال الطلبة وصورتهم في صفوفهم وفي فترة الفرصة – الإستراحة. جاء مشهد عودتهم إلى بيوتهم في زوارق يأتي أهلهم لإعادتهم إلى بيوتهم وبعضهم يعود بنفسه بالمشحوب وهم صغار وكان مشهدا جميلا وبعدها قررت فتح سجلاتهم وتصوير السجلات وأوضاعهم الإجتماعية. خرجت بمشهد مؤثر في الفيلم.

في مشهد العرس كنت أنتظر عرساً فخبروني عن عرس في زفة عروس تأتي من هور الجبايش إلى العريس في منطقة الصحين ولكن قالوا لي أن أهل الزوجة لا يقبلون التصوير. فصعدنا المركب ورحلنا نحو الجبايش. ذهبت بداية لكي أشتري لهم هدايا لمناسبة الزواج فقررت أن أشتري لهم صندوق شاي وكيس سكر. ذهبت إلى حانوت وهو الحانوت الوحيد في منطقة الصحين. وكان عنده صندوق شاي وكيس سكر لكنه رفض بيعها لي وقال هذا نصيب أهل الصحين فإذا بعته إليك كيف سيعيشون بدون شاي وهو قوتهم اليومي. قبل أن يبيع لي بضعة كيلو غرامات شاي ومثلها سكر. أخذنا معنا السكر والشاي ووضعنا مبلغا نقديا في ظروف وذهبنا لعائلة العروس وقدمت لهم نفسي وعرفت على خالي من عشائر بني منصور، ورحبوا بنا وأعطونا الموافقة والموعد لإنطلاق موكب العروس بالزوارق. تم تصوير مشاهد العرس ومثل هذه المشاهد تصعب أعادتها فكان علينا المشي بشكل متواز معهم وتسجيل ما يمكن تسجيلة وقد نجحنا نسبيا في تغطية الرحلة حتى وصول الموكب إلى بيت العريس.

صورت بعدها مشاهد الصيد ليلا. وقد نجحنا في حمة تقنية نجحنا في تحقيق مشاهد ليلية بدون أنارة وعلى فوانيس المشاحيف وكان من المشاهد الجميلة حقا في الفيلم.

هكذا عشنا مع أهل الهور ويوما كان المصور الشيوعي سلمان مزعل ونحن في المركب في فترة الأستراحة ظهرا رغب في أن يأخذ زورق صغير يسمى ماطور ويجذف لوحده بين الأحراش ولكن تحت مراقبتنا. وفجأة وفيما هو يجذف شاهد صاحب المركب "عربيداً" ضخما جداً متوجه نحوه وصاح سوف يغرق زورقه الصغير ويبتعله فأدار المحرك وتوجهنا نحو العربيد وصار يضرب فيه بالمردي ونجحنا في أنقاذ سلمان مزعل "بعد تصوير الفيلم أرسلوه لتصوير موكب نائب الرئيس صدام حسين. وقد إقتربت سيارة المؤسسة من سيارة صدام حسين بطريق الخطأ فضربوهم ضربا قاسيا ودخل المستشفى . ثم سمعت بعد بضع سنوات أن عربيدا من عرابيد السلطة قد دهمه وأنهى حياته الفنية ولم يذكره أحد. كان مبدعا حقيقيا وفنانا أصيلا. رحل بصمت. رحمه الله.

 

الملفت ان هذا الفلم استهدف بشكل غريب .. ما السبب هل لانك هربت من لقاء صدام ام لانه وثيقة حية مصورة ام ماذا ؟  الا تشعر وكان هناك لعنة تلاحق هذا الفلم .. البعث .. اسرائيل .. ايطاليا .. لبنان .. هروب من لقاء صدام تجفيف الاهوار واتلاف الارشيف وغيرها ؟ اشياء غريبة ومثيرة جدا تتعلق بالفلم ويصعب الربط بينها ؟

 

هي لعنة ليست على الفيلم إنما هو قدر أحمق يلاحق الوطن وعلينا معرفة السبب. وقدر يستهدف الإبداع ويستهدف الثقافة. لست وحدي الذي عنده قصص مثيرة تتعلق بالملاحقة فهناك الكثيرون الذين عانوا من الحيف. الأوضاع في المنطقة تسير دائما نحو الأسوأ وهي ليست محض مصادفة. ولكن مسألة أداتنا التعبيرية السينما هي أداة صعبة ومشكلاتها التقنية وأرشفتها تحتاج إلى دولة ولا يستطيع الفرد وحده القيام بها. الفن يحتاج إلى دولة وإلى مؤسسات مسؤولة لأن الصورة والصورة المتحركة هي جزء من الذاكرة الإنسانية. الغرب يوليها إهتمامات غير عادية. عندنا لا رغبة في حفظ الذاكرة الإنسانية. الأهوار هي التي تعرضت للظلم وللتجفيف وهذا شأن مخالف لسنة الطبيعية وتلقائيتها فجففت المنطقة ساحرة الجمال وهجر أهلها وسكنوا المدن وتناثروا وبات من الصعب عودتهم إلى الحياة البدائية. فالمدينة بالنسية لهم رغم قساوتها كمدينة بين مدن العالم المزدهرة ولكنها  تبقى أرحم من بدائية الأهوار وفطريتها وقساوة العيش فيها. الفيلم الذي أخرجته الأهوار وما تعرض له من حيف هو صورة من صورة هذا الواقع. لقد تم إتلاف نسخ فيلم الأهوار كما علمت وأتلف الفيلم السالب. حصلت على نسخة تالفة من الفيلم وصرفت مبالغ كثيرة لترميمها. غسلها ومن ثم طلائها بمادة شمعية في محاولة لسد الجروح وبعد ذلك أدخلتها في تقنية الحاسوب وحاولت ما أمكن تصحيح الألوان فحصلت على نسبة ستين بالمائة تقريبا من جودة الصورة. بقي فيلم الأهوار الشاهد الوحيد على الأهوار قبل التجفيف. قصة هروبي من لقاء الدكتاتور هي كالتالي. عندما أخرجت فيلم "بيوت في ذلك الزقاق" وطلب مني طارق عزيز حذف بعض المشاهد وإعادة تصوير مشاهد أخرى رفضت ذلك وبعد فترة من الأخذ والرد أتصل معي طارق عزيز وحدد موعد لقاء لي مع صدام حسين حيث كما أفهمني بصدد تقديم هدية لي تتمثل بسيارة وفيلا وهو ما كان متبعا. صادف في تلك الأيام وجود القائد الفلسطيني "جورج حبش" وأنا مسؤول قسم الإعلام المرئي في الجبهة الشعبية وعلى علاقة حميمة مع جورج حبش ذهبت إليه وشرحت له الأمر وتمكنت أن أسافر مع وفد فلسطيني من المطار في الساعة السابعة صباحا إلى ليبيا وكان موعد اللقاء الساعة الحادية العاشرة من ذلك اليوم. وهناك تفاصيل كثيرة. لم أكن أريد لقاء الدكتاتور ولم أكن طامحا في أية فوائد .. كان عندي الوطن هو الأجمل وأسمي عند الناس أثمن بكثير وأحب أن أحتفظ بهذه النعمة.

 

هناك الكثير من المواد الفلمية المصورة القديمة التي لم تدخل في مادة الفلم نتيجة لاسباب كثيرة الا يمن استثمارها في مشاريع جديدة توثق السابق واللاحق؟

 

نعم .. هناك تسع ساعات سالبة وأيضا موجبة "رشز" مفترض أنها موجودة في أرشيف مؤسسة السينما، لكني أشك في صلاحيتها حيث لا توجد طرائق نظامية لحفظ الأفلام حتى يحتفظ الفيلم بنوع جودته سنوات. الطرق في الحفظ بدائية وتؤدي بالتأكيد إلى تلف الأفلام  السينمائية. والفيلم مصور على شريط سليلويد قياس 35 ملمتراً وبجودة تصوير وأظهار وطبع عالية تمت في إيطاليا.

حتى تبني وطنا سليما تحتاج إلى شخصيات وطنية تحب العراق .. حينها يمشي كل شيء على الدرب القويم ونصل إلى المدينة الفاضلة.

 

لك تجربة اخرى عن الاهوار تجفيف الاهوار حدثنا عن ذلك الفلم ؟

 

بعد سقوط النظام كلفتني وزارة الموارد المائية بتصوير فيلم عن الأهوار وإعادة المياه للمناطق المجففة وتأثير التجفيف على الحياة الطبيعية. فعملت فيلما يحمل عنوان "قصة الأهوار" تحدثت من خلاله عن التاريخ منذ العهد السومري. وذلك يعني أن علي متابعة الماضي من خلال المتحف البريطاني سيما وقد أكتشفت وجود مدرسة تعنى بالرقم الطينية السومرية موجودة تحت المتحف البريطاني. وهذه المدرسة ليس سهلا دخولها وليس سهلا تصويرها. أستغرقت المكاتبات مع المتحف البريطاني قرابة ستة شهور. ثم حصلت الموافقة على دخول المدرسة وتصويرها لمدة ساعة فقط. فسافرت مع مصور بولوني يقيم في فرنسا وذهبنا إلى المتحف وصورت المشاهد التي تمكنت من تصويرها وأجريت لقاء من إثنين من الأساتذة الخبراء. ثم صورت جداريات الأهوار في المتحف البريطاني وتمكنت من الحصول على وثائق تجفيف الأهوار. شيء واحد بقي سراً غامضا لم أصل إليه وهو موضوع الخبراء الذين ساهموا في إتلاف الحياة في الأهوار وهم من الخبراء الهولنديين الذين لم أتمكن من الوصول إليهم.

عندي الآن مواد فلمية كثيرة عن الأهوار وأحاول أن أعثر على الساعات التسع في العراق مع وجود شك عندي في ذلك سببه عدم طرائق نظامية للحفظ وأيضا أتوقع عدم التعاون معي وهذا جانب من اللعنة التي أشرت إليها في سؤالك. فالمبدع والوطني والعاشق لا بد وأن تحل عليه اللعنة ينفذها ناس ضد الحياة وهو أمر مؤسف حقا. العراق وطن لا يحب عشاقه.

 

هل وجدت تعاون من قبل المؤسسات الرسمية حاليا فيما يتعلق بفلم الاهوار وكذلك التجفيف وتجاربك الاخرى؟

 

لا. أبداً

 

بالاضافة لفلم "الاهوار" وفلم "تجفيف الاهوار" كانت لك محاولات من اجل فلم جديد عن الاهوار "مخرج يبحث عن شخصياته"  لكنها لم تنجح ... هل لديك علاقة خاصة تربط بتلك المنطقة ؟

نعم، في إيطاليا ذهبت مرة بعد أن غادرت العراق وأقنعت مدير الأستوديو أن يطبع لي نسخة من فيلم الأهوار قياس 16 ملمتر وسلمني أياها وهي مبادرة جيدة من مدير الأستوديو حيث الفيلم بإسم مصلحة السينما العراقية أبان حقبة الدكتاتورية. وأخذت معي النسخة إلى بيروت.

وعندما حصلت الحرب العراقية الإيرانية وهجر سكان الأهوار إلى إيران وأسكنوهم في منطقة أيضا هي أمتداد للأهوار وبنوا هناك بيوتا بسيطة من القصب. فكرت أن أعمل فيلما عنوانه "مخرج يبحث عن شخصياته" والفكرة هي أن آخذ فيلم الأهوار وأسافر إلى إيران وأطلب لقاء بسكان الأهوار المهجرين. وهذا كان بعد أكثر من عشرين سنة على إنتاج الفيلم، فكرت أن أعرض عليهم الفيلم وانا سوف لن أعرفهم بل هم سيجدون أنفسهم في الفيلم. الطالب الصغير الذي أصبح كبيرا. الرجل المزواج الذي أصبح شيخا. ممرضات المستشفى كلهم لابد وأن يجدوا أنفسهم على الشاشة. وسوف أسجل ردود أفعالهم وبعد ذلك أبحث في شخصياتهم وفترة هجرتهم فأخرج بفيلم إنساني غاية في الإثارة. وقد ذهبت إلى أيران. وإلتقيت سماحة الإمام محمد باقر الحكيم. وبذل جهدا بالإتصال بالأجهزة الإيرانية كي تعطيني موافقة تصوير الفيلم هناك. لكن الجواب جاء سلبا وباءت محاولتي بالفشل وعدت حزينا.

فيلم الأهوار الذي طبعته بقي في أرشيفي في قبو في كورنيش المزرعة تحت الأرض. وعندما غزا الإسرائيليون بيروت أخذوا كل موجوداتي وأوراقي وحملوها إلى إسرائيل وفيلم الأهوار كان بينها وقدمت شكوى عبر الصليب الأحمر ولم أحصل على نتيجة.

هذه كل علاقتي بسكان الأهوار. لم يعد منهم احد موجوداً هناك .. لقد سكنوا المدينة والحياة مع عودة المياه إليها بشكل نسبي، لكن الحياة فيها باتت موحشة ومؤلمة وهجرتها الطيور والإسماك والمياه ملوثة .. الحياة شبه ميتة هناك .. مع ذلك سأسافر نحوهم من جديد يوما. الموضوعات هذه تحتاج إلى من يدعمها ماليا والدولة لا تريد ذلك على ما يبدو. أكيد أنا أشعر بحزن شديد.

 

هل اثرت القناعات السياسية في نوعية المنتج الذي تفضله فمعظم افلامك فيها سقف نقدي عالي جدا، بل بعضها سياسة بامتياز مثل الاهوار وعائد الى حيفا وحتى المغني وغيرها.

 

للأسف نعم. أثرت القناعات السياسية على أعمالي. وكان يجب أن لا يحصل هذا. لقد أخطأت أو ربما فرضت الظروف الموضوعية ذلك على شخصيتي. ما كان يجب أن أنسحب لذلك. انا لا أفصل الموقف من الواقع عن الفن ولكن بدون تسييس. مثلا فيلمي "كرامفون" هو سياسي بإمتياز والفيلم كتبته ولم أخرجه بعد ولكنها سياسية متأنقة لا تلمسها في الفيلم بل تأتيك سلسة ومتفلسفة بجمال عال. كتبت السيناريو بعشق غريب للتاريخ القديم والحديث ومن خلال هذا التاريخ تحدثت عن غربتي. كذا الحال في سيناريو فيلم "ترافيك لايت" فيه قصة حب مدمرة بين مخرج سينمائي عراقي وفتاة بار في فندق بالمغرب. هذه موضوعات مثيرة للتصوير وحلوة وأحلى عندي من تجارب سياسية سابقة. للمناسبة فيلم الأهوار الأول غير مسيس بعكس قصة الأهوار فهو مسيس. فيلم الحارس غير مسيس أيضا هو قصة حب بين حارس ليلي وأرملة. السقف النقدي لأفلامي غير عالي، ولكن ربما طبيعة الموضوعات تفرض هذا الواقع الإقتصادي. أدركت ذلك مؤخراً وكنت أكتب بحرية على أساس في النهاية عندي وطن ووطن غني بثرواته فأكتشف ان هذه الثروات لا علاقة لها بالثقافة بل وأن الثقافة بمنأى عن الثروات فأعدت النظر في كتاباتي السينمائي .. لا أدري ماذا سيحصل.

 كيف ترى التجارب السينمائية العراقية الشابة خصوصا في السنوات الاخيرة ؟

التجارب الأخيرة للسينمائيين العراقيين مهمة وجيدة ولكن إنتاج الأفلام لا يعني خلق صناعة سينمائية في العراق. هناك افلام ولكن لا توجد صناعة سينمائية. فصناعة السينما تحتاج إلى تأسيس القاعدة المادية للإنتاج من تأسيس مدينة للسينما وإنشاء مكتبة سينمائية "سينماتيك" ومؤسسة أرشيفية ومخابر ومعاهد للسينما وفرص تطبيق وبعثات وهذه كلها تسهم الدولة فيها بشكل أساس شريطة ان لا تتحول الدولة إلى منتج بل إلى داعم لتوفير فرص حرة للإنتاج السينمائي.

 

السينما والمسرح خصصت ميزانية كبيرة من اجل الاعداد المطلوب لمشروع بغداد عاصمة الثقافية العربية ؟

هل لك حضور بين تلك المشاريع ؟

ليس عندي حضور في أفلام بغداد عاصمة الثقافة وعندي مشروع كتبته ومتردد  في تقديمة خشية أن يختلط بما هو سيء وعنوان مشروعي السينمائي لبغداد عاصمة الثقافة يحمل عنوان "بغداد خارج بغداد"

كل الذين أحيلت لهم المشروعات السينمائية تقريبا هم من بقايا النظام السابق وأنا أحد الضحايا. لا أدري لماذا سعت مؤسسة السينما إلى التعاون مع من هدم الثقافة العراقية وألغت من جدولها كل المبدعين الحقيقيين. لا أفهم ذلك .. عذراً لست مع سياسة وزارة الثقافة في هذا الجانب على الأطلاق. والسؤال مطروح على مؤسسة السينما العراقية. ما يجري في هذا الجانب يشكل جزءً من تردي الواقع السياسي وبالضرورة الثقافي والإجتماعي.

أتمنى أن يعاد النظر في خطة الثقافة السينمائية لبغداد عاصمة الثقافة لعام 2013 قبل فوات الأوان.

 

 

 باعتقادك لماذا هذه الكبوات المتلاحقة لصناعة السينما في العراق اين تكمن المشكلة ؟ 

 

الكبوات في السينما العراقية سببها الكبوات السياسية، ولأن السينما هي صناعة مثل ما هي فن فإن الصناعة تحتاج إلى أستقرار والفن يحتاج إلى حرية وكلا الأمرين مفقودان.

 

يعتبر قاسم حول أحد مؤسسي تيار السينما العربية البديلة سنة 1970 بدمشق ماذا تعني السينما البديلة ؟

كنا ونحن عدد غير قليل من السينمائيين العرب مخرجين ونقاد تؤرقنا السينما التجارية والسينما التقليدية. وتزامن ذلك مع ظهور تيارات سينمائية في العالم، سينما تحت الأرض في أمريكا والسينما الحرة في بريطانيا والسينما الجديدة في البرازيل وسينما جماعة أوبرهاوزن في ألمانيا. تيارات سينمائية كثيرة ظهرت في العالم مع تصاعد التيار الثوري النضالي والسياسي. ذلك ترك أثره علينا نحن السينمائيين العرب. فتواصلنا وبحثنا الأمر وبدعم من مؤسسة السينما السورية التي كان يقودها الأستاذ حميد مرعي الذي قرر دعم تيارنا السينمائي فتم تحديد موعد لمؤتر سينائي نعرض فيه أفكارنا وبعض تجاربنا السينمائية تحت شعار تيار السينما البديلة وأجتمعنا وقدمنا الدراسات وعرضنا الأفلام التي حظيت بإقبال واسع للجمهور في سوريا ثم إنتقلنا إلى لبنان وبرعاية الحزب الشيوعي اللبناني أكملنا إجتماعاتنا وخصص لنا الحزب عدد خاص من مجلة الطريق لنشر أفكارنا وبياناتنا وكنت أنا ومحمد دكروب من أشرف على إصدار عدد السينما البديلة. لكن واقع الحال السياسي كان أكبر من أحلامنا، فتناثرنا وتناثر المشروع ولم يكتب له النجاح وبقيت السينما العربية التقليدية وسينما شباك التذاكر هما السائدتان.

 

الثقافة العراقية عطاء فردي في الشعر في الرسم في القصة والرواية الا السينما فهي نتاج جماعي بامتياز في حاليا ما الذي يغيب من اركان صناعة السينما ؟ 

 

تغيب قناعات الدولة بالسينما والثقافة السينمائية. فبدون بناء قاعدة مادية للإنتاج السينمائي قد تنتج الكثير من الأفلام ولكن بمجموعها لا يمكن أن تشكل سوى مبادرة فردية هنا وأخرى هناك. ثم أن السينما بدون مؤسسات للتوزيع وبدون صالات سينما تبقى مجرد نشاط سينمائي يكتب له النجاح حينا ولا يكتب له النجاح حينا آخر. تبقى السينما مجرد نشاط ثقافي فردي وفي السينما هذا شأن لا يخلق نهضة سينمائية. فالسينما تراكم كمي يؤدي بالضرورة إلى نتاج نوعي.

هل بقي مشروع سينمائي عالق في بالك لم ينجز حتى الان ؟

 

ثلاثة مشاريع وأهمها فيلم الحسين الذي إستغرق البحث فيه والكتابة قرابة سبع سنوات. وثمة مشروعان واحد متوسط الميزانية وهو فيلم "ترافيك لايت" وثاني بميزانية مخفضة وهو فيلم "كرامفون"

                                                                                                 

معروف عنك انك مخرج ولكن انت في ذات الوقت لديك تجارب ادبية "عودة السنونو، العباءة السوداء، الخندك" لم يسلط عليها الضوء بشكل كافي هل طغت عليها تجربة الاخراج؟ - ما هي قصة سوق مريدي؟

كتاباتي كثيرة ومنها أربع روايات نشرت منها ثلاثة وبقيت الرابعة وعنوانها "على أبواب بغداد" وآخر رواية صدرت لي عن دار نقوش عربية في تونس هي رواية "سوق مريدي" تتحدث عن سقوط المثقف. وهي عن مثقف يعيش خارج وطنه ينخرط مع القوات الأمريكية التي أحتلت العراق وعندما يصل بلده يشعر بالندم ولا يستطيع الفكاك من هذه المشاعر فيهرب من القوات الأمريكية ويلجأ إلى سوق مريدي وهناك يتعرف على شخص مقعد يبيع المسابح في السوق ويعيش وحده مع أمه ويلجأ إلى بيتهم ويعيش معهم وتتطور أحداث القصة وكان قد ترك حبيبته عندما غادر الوطن هروبا من الدكتاتورية ولكنه عاد من المحتل ليجد صديقته الجميلة مصابة بورم سرطاني غريب.  رواية تصلح للسينما لأنني أكتب بطريقة سينمائية. أعددت أعمالي الكاملة للطبع في ست مجلدات وأحتاج إلى من يساعد في طبعها .. سأبذل جهداً. هذه هي الحياة.

 

ـــــــــ

حوار: جمال الخرسان

gamalksn@hotmail.com